المدينة التي نسيت اسمي
المدينة التي نسيت اسمي
الجزء الأول
الرسالة التي لم تصلني
في صباح عادي جدا استيقظت لأجد صندوق بريدي الإلكتروني ممتلئا برسالة واحدة فقط.
رسالة قصيرة جدا.
سطر واحد.
تم إنهاء عقدك. نشكرك على السنوات التي قضيتها معنا.
لا سبب.
لا شرح.
لا مكالمة حتى.
ثماني سنوات من العمل انتهت في سطر واحد.
جلست على طرف السرير مدة طويلة لا أفكر بشيء محدد. لم أبك. لم أغضب. كان الشعور أقرب إلى فراغ واسع جدا يبتلع كل شيء.
فتحت النافذة. الشارع كان يتحرك كأن شيئا لم يحدث. الناس يذهبون إلى أعمالهم. السيارات تتوقف عند الإشارة. المدينة تعمل بكامل طاقتها.
العالم لم يلاحظ أن حياتي توقفت قبل خمس دقائق.
في تلك اللحظة فقط فهمت شيئا واحدا.
أنا لا أملك شيئا خارج هذه المدينة. ولا حتى اسما بدون وظيفتي.
الجزء الثاني
حين يصبح الكرسي ملكا لغيرك
عدت إلى الشركة لأستلم أغراضي.
بطاقتي لم تعد تفتح الباب.
الأمن فتح لي بابتسامة اعتذار محفوظة.
مكتبي كان نظيفا بطريقة مبالغ فيها.
لا صورة. لا أوراق. لا أثر.
حتى النبتة الصغيرة التي كنت أسقيها كل صباح اختفت.
شخص آخر جلس على الكرسي الذي ظننت أنه جزء مني.
رفع رأسه وابتسم بلطف وقال
أنت الموظفة السابقة صحيح
الموظفة السابقة.
ثلاث كلمات كفيلة بمحو ثماني سنوات.
حملت صندوقا صغيرا فيه بقايا حياتي. دفتر قديم. كوب قهوة. قلم لا يكتب جيدا لكني احتفظت به لأنه كان هدية من نفسي في أول يوم عمل.
خرجت من المبنى وأنا أشعر أن المدينة لم تطردني فقط من العمل. بل طردتني من هويتي.
الجزء الثالث
أول يوم بلا صفة
أصعب سؤال واجهته لم يكن ماذا سأفعل الآن.
بل ماذا أقول حين يسألني أحد
ماذا تعملين
في المقاهي. في الزيارات. في المكالمات. السؤال يطاردني.
وكان علي أن أتعلم الإجابة دون أن أشعر أنني أختفي.
اكتشفت شيئا غريبا.
الناس لا تعرف كيف تتعامل مع شخص بلا وظيفة.
يصمتون لحظة أطول من اللازم.
يغيرون الموضوع بسرعة.
كأن البطالة مرض معد.
الجزء الرابع
الصدفة التي غيرت المسار
بعد أسبوعين من الصمت الكامل قررت أن أخرج للمشي بلا هدف.
دخلت مكتبة صغيرة لم أزرها من قبل.
كانت شبه فارغة.
رفوف هادئة ورائحة ورق قديم.
وقفت أمام رف مكتوب عليه
مذكرات شخصية.
لا أعرف لماذا جذبتني الكلمة.
مددت يدي وسحبت دفترا فارغا. أبيض تماما. لا خطوط. لا عنوان.
سألت البائع لماذا هذا الدفتر بلا خطوط.
ابتسم وقال
لأن بعض القصص ترفض أن تمشي في خطوط مستقيمة.
اشتريته دون تفكير.
الجزء الخامس
أول جملة
في الليل جلست أمام الصفحة البيضاء.
ظلت فارغة ساعة كاملة.
ثم كتبت جملة واحدة.
أنا لا أعرف من أكون عندما لا أعمل.
كانت تلك أول مرة أكتب فيها شيئا لا علاقة له بالتقارير أو الاجتماعات أو الجداول.
كتبت جملة ثانية. ثم ثالثة.
كتبت عن خوفي. عن صمتي. عن المدينة التي لا تعرفني بدون بطاقة عمل.
في تلك الليلة كتبت حتى الفجر.
وللمرة الأولى منذ الرسالة شعرت أن شيئا بداخلي يتحرك.
الجزء السادس
العمل الذي لم أبحث عنه
مرت أسابيع وأنا أكتب يوميا.
لم أبحث عن وظيفة.
كنت أخجل من الاعتراف بذلك حتى لنفسي.
لكن شيئا غريبا حدث.
أصبحت أستيقظ مبكرا من تلقاء نفسي.
أعد قهوتي. أجلس للكتابة.
وأشعر أنني أذهب إلى عمل.
عمل بلا مدير. بلا راتب. بلا تقييم سنوي.
لكن فيه شيء لم أجده في أي وظيفة سابقة.
إحساس أنني موجودة.
الجزء السابع
الصدفة الثانية
في أحد الأيام نسيت دفتري في المقهى.
عدت بعد ساعة مذعورة.
وجدته عند النادل.
قال لي
قرأت صفحة واحدة بالخطأ وأنا أبحث عن اسم صاحبه. آسف.
ثم أضاف بهدوء
لكن عليك أن تعرفي أن هذا ليس دفترا عاديا.
ضحكت بخجل وقلت إنه مجرد كتابة شخصية.
قال
أحيانا ما نعتقد أنه شخصي يكون هو الشيء الذي ينتظره الآخرون.
كانت أول مرة يفكر فيها أحد غيري أن كلماتي قد تعني شيئا.
الجزء الثامن
الخوف الأكبر
أكبر خطوة لم تكن كتابة قصة.
بل نشر سطر واحد منها.
باسم مستعار.
بدون صورة.
بدون تعريف.
نشرت فقرة قصيرة عن فقدان الوظيفة والشعور بأن المدينة لم تعد تناديك باسمك.
أغلقت الهاتف وتركته على الطاولة كأنه شيء خطير.
عندما عدت بعد ساعات وجدت عشرات الرسائل.
أشخاص يقولون
هذا أنا.
هذا ما شعرت به تماما.
كيف عرفت
لأول مرة فهمت أن شعوري بالضياع لم يكن حالة فردية.
كان لغة مشتركة بين غرباء.
الجزء التاسع
المدينة التي أعادت اسمي
بعد أشهر تلقيت رسالة جديدة.
لكن هذه المرة لم تكن سطر إنهاء.
كانت دعوة لإلقاء حديث عن تجربتي في فقدان العمل وإعادة اكتشاف الذات.
وقفت على المسرح وقلت أول جملة كتبتها في الدفتر.
أنا لا أعرف من أكون عندما لا أعمل.
لكن هذه المرة أكملتها.
وأعرف الآن أنني لست وظيفتي.
أنا الشخص الذي وجد صوته عندما صمت كل شيء حوله.
الجزء الأخير
رسالة مختلفة تماما
في صباح هادئ وصلني بريد إلكتروني جديد.
عرض عمل.
راتب ممتاز. منصب أعلى من السابق.
قرأت الرسالة كاملة.
ثم أغلقت البريد دون رد.
خرجت للمشي في المدينة نفسها التي ظننت أنها نسيت اسمي.
المباني هي نفسها. الشوارع نفسها. الضجيج نفسه.
لكن الفرق الوحيد كان بسيطا جدا.
هذه المرة لم أكن أبحث عن مكان فيها.
كنت أصنع مكاني بنفسي.
بعض النهايات ليست خسارة وظيفة.
بعضها بداية حياة كاملة كانت تنتظر أن يتم طردك منها

تعليقات