لم أبك
لم أبكِ. ليس لأن الألم لم يبلغني، بل لأن من تعلّمت مبكراً أن تُقيم الجسور فوق النيران.. لا تنهار أمام عودٍ ثقاب. كانت الشاشة أمامي تعكس وجهي في الزجاج المقابل، وعلى الطاولة تقرير مُجلَّد بغلاف أزرق رأيته مرة واحدة في حياتي.. حين كنتُ أنا من طبعتُه في الثالثة فجراً، وأصابعي لا تزال تحمل ذاكرة كل حرف فيه. والآن هو يُقدّمه باسمه. وأعضاء مجلس الإدارة يُصفّقون. ابتسمتُ. ليس لأنني وافقتُ، بل لأن من تعرف متى تضرب.. لا تُخبر أحداً بالموعد. كان اسمه "كريم النصر"، وكان الاسم وحده كافياً ليُخبرك بكل شيء عن الرجل.. يُؤمن بأن النصر له وحده، وأن الآخرين مجرد سُلّم يُطوى بعد الصعود. عرفتُه قبل عشر سنوات، حين كنّا طالبَيْن في آخر صف في قاعة المحاضرات، وكنتُ أنا من يُجيب وهو من يُسجّل الإجابة باسمه على الورقة المشتركة. لم أنتبه يومها. أو ربما انتبهتُ ولم أُصدّق أن البشر يبدأون صغاراً على هذا النحو. شاركتُه الشركة قبل ست سنوات، وشاركتُه الحلم قبل أن أعرف أن بعض الناس لا يحلمون.. يسرقون أحلام غيرهم ويُعيدون تأطيرها بأسمائهم. اليوم، في هذه القاعة المُضاءة بثريات لا تعرف الظلام، كان يتحدث عن ...