لم أبك

 




لم أبكِ.

ليس لأن الألم لم يبلغني، بل لأن من تعلّمت مبكراً أن تُقيم الجسور فوق النيران.. لا تنهار أمام عودٍ ثقاب.

كانت الشاشة أمامي تعكس وجهي في الزجاج المقابل، وعلى الطاولة تقرير مُجلَّد بغلاف أزرق رأيته مرة واحدة في حياتي.. حين كنتُ أنا من طبعتُه في الثالثة فجراً، وأصابعي لا تزال تحمل ذاكرة كل حرف فيه. والآن هو يُقدّمه باسمه. وأعضاء مجلس الإدارة يُصفّقون.

ابتسمتُ. ليس لأنني وافقتُ، بل لأن من تعرف متى تضرب.. لا تُخبر أحداً بالموعد.

كان اسمه "كريم النصر"، وكان الاسم وحده كافياً ليُخبرك بكل شيء عن الرجل.. يُؤمن بأن النصر له وحده، وأن الآخرين مجرد سُلّم يُطوى بعد الصعود. عرفتُه قبل عشر سنوات، حين كنّا طالبَيْن في آخر صف في قاعة المحاضرات، وكنتُ أنا من يُجيب وهو من يُسجّل الإجابة باسمه على الورقة المشتركة. لم أنتبه يومها. أو ربما انتبهتُ ولم أُصدّق أن البشر يبدأون صغاراً على هذا النحو.

شاركتُه الشركة قبل ست سنوات، وشاركتُه الحلم قبل أن أعرف أن بعض الناس لا يحلمون.. يسرقون أحلام غيرهم ويُعيدون تأطيرها بأسمائهم.

اليوم، في هذه القاعة المُضاءة بثريات لا تعرف الظلام، كان يتحدث عن "رؤيته" للمشروع. وأنا أعرف أن تلك الرؤية وُلدت في مكتبي الصغير، على طاولة فيها فنجان قهوة بارد ومسودات بخط يدي. لم أقاطعه. جلستُ كما تجلس من تملك ما يكفي.. صمتاً. وحين انتهى وعاد إلى كرسيه مُنتفخاً بتصفيق القوم، خلعتُ قلمي من جيبي ببطء، وكتبتُ على الورقة أمامي رقماً واحداً. رقم محامٍ كنتُ قد اتصلتُ به منذ ثلاثة أيام.

لأن الفرق بيني وبينه.. أنه يتحرك حين يُصفَّق له، وأنا أكون قد انتهيتُ قبل أن يبدأ التصفيق.

في المساء، حين خلا المكتب من أصوات الموظفين وبقيت الأضواء وحدها سهرانة، فتحتُ حاسوبي على ملف لم يعرف أحدٌ بوجوده. ملف باسم بسيط، لا يلفت النظر: "مسودات". لكنه كان يحتوي على كل شيء.. التواريخ، المراسلات، النسخ الأولى بخط يدي الممسوح ضوئياً، وتسجيلات صوتية لاجتماعات ظنّ فيها كريم أنه يتحدث مع شريكة، لا مع شاهدة.

لم أكن أجمعها خوفاً. كنتُ أجمعها لأنني منذ البداية عرفتُ.. أن من يبني بيده لا يترك بيته بلا وثيقة ملكية.

لم أُخبر أحداً. لا صديقتي التي تُجيد الحديث أكثر مما تُجيد الصمت، ولا أختي التي تُحب أن تُشارك همومها قبل أن تنتهي. الأسرار عند أصحابها أثقل وأأمن.. وأنا تعلّمتُ مبكراً أن الكلام المبكر يُفسد الخطط الجميلة.

اتصلتُ بشخص واحد فقط. محامية اسمها "نور"، لا تتكلم كثيراً، لكنها حين تتكلم تجعل القضاة يُعيدون قراءة ما كتبوه. قلتُ لها جملة واحدة: "عندي كل شيء، ولا أريد ضجيجاً." ردّت بجملة واحدة: "هذا بالضبط ما يجعلنا نكسب."

أما كريم، فكان في هذه الأثناء يُمضي أيامه مرتاحاً كمن يظن أن الأرض تحته صلبة. كان يتحدث في الاجتماعات بلغة من يملك، ويوزّع الثقة على من حوله كمن يملك ما يكفي ليُبذّر. ولم يلحظ.. أو ربما لم يُفكّر أن يلحظ.. أنني توقفتُ عن مجادلته. توقفتُ عن تصحيحه. توقفتُ عن الحضور بكامل ثقلي في كل نقاش. لأن من تعرف أين تضع قدمها.. لا تُضيّع طاقتها في الصراخ على من لا يستحق أن يسمعها.

في اليوم الخامس عشر بالضبط، أرسلتُ إلى مجلس الإدارة بريداً إلكترونياً رسمياً. لا اتهامات. لا مشاعر. لا كلمة واحدة زائدة عن حاجة القانون. فقط: وثائق، تواريخ، وطلب اجتماع طارئ.

وحين قرأ كريم الإشعار على هاتفه في صباح اليوم السادس عشر، كنتُ أنا أشرب قهوتي بهدوء، وأنظر من النافذة إلى الشارع الذي لم يتغيّر. كل شيء كان كما هو. إلا أن ميزان شيء ما.. قد بدأ يميل.

دخل كريم قاعة الاجتماع بخطوات من يعرف أنه المدعوّ، لا من يعرف أنه المتّهم. ربطة عنقه مضبوطة، وابتسامته معلّقة في مكانها المعتاد، وعيناه تجولان على الوجوه باحثتين عن طمأنينة.. فلم تجدا شيئاً. لأن الوجوه في هذه القاعة لم تكن كالعادة. لم تكن وجوه زملاء، ولا وجوه شركاء. كانت وجوه من قرأوا.

جلستُ في آخر الطاولة، لا في الصدر كما اعتدتُ. من يملك الحجة لا يحتاج أن يملك المكان.. يكفيه أن يملك اللحظة.

فتح رئيس المجلس الجلسة بكلمة واحدة تقريباً، ثم أحال الكلام إلى المحامية نور. وحين وقفت نور، لاحظتُ لأول مرة أن كريم توقف عن الابتسام.

بدأت نور بالوثيقة الأولى. مسودة المشروع الأصلية، بتاريخ يسبق تقديمه بأربعة أشهر، وبتوقيع يدٍ واحدة.. يدي أنا. ثم الوثيقة الثانية. بريد إلكتروني أرسلته أنا لكريم في منتصف الليل، فيه كامل الرؤية، كاملة التفاصيل، كاملة الأرقام.. وردّه بثلاث كلمات فقط: "ممتاز، سنناقشه غداً." لم نناقشه غداً. بل قدّمه هو بعد أسبوعين باسمه، أمام نفس هؤلاء الجالسين الآن.

ثم جاءت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد.

قالت نور بهدوء: "وهذا تسجيل صوتي من اجتماع داخلي، بتاريخ الثالث عشر من مارس." وبدأ الصوت. صوته هو. يقول بوضوح لشخص مجهول: "الفكرة لها، لكن التقديم باسمي. هي لن تقول شيئاً، تعرفها، تخاف المواجهة."

صمتٌ ثقيل نزل على القاعة كأنه جدار.

ونظرتُ إلى كريم لأول مرة منذ بدأت الجلسة. كان شاحباً، والربطة التي ضبطها جيداً في الصباح بدت فجأة كأنها تضيق.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن التسجيل. المفاجأة كانت الشخص المجهول في التسجيل. حين سألت نور: "هل تودّ مجلس الإدارة معرفة من كان يتحدث إليه السيد كريم في هذا التسجيل؟" رُفع الستار. كان نائبه. يده اليمنى. الرجل الذي جلس اليوم على بُعد كرسيين منه، ينظر إلى الطاولة ولا يرفع رأسه.

ما لم يعرفه كريم.. أن نائبه هذا كان أذكى منه بخطوة واحدة فقط. أنه اتصل بي قبل أسبوعين من الجلسة. لم يندم، لم يعتذر. فقط قال: "أنا لا أريد أن أغرق في سفينة كان هو من فتح فيها الثغرة." وأعطاني ما لم أكن أتوقع أن أملكه.

حين انتهت نور من الكلام، كانت القاعة صامتة بصمت من يعيد حساباته من البداية. ولم يقل كريم شيئاً. ليس لأنه لم يجد كلاماً.. بل لأن الكلام حين يخذل صاحبه يختبئ في أعمق مكان فيه، ولا يخرج.

خرجتُ من القاعة قبل أن ينتهي التصويت. لم أكن بحاجة أن أرى النتيجة. من تُحكم البناء من البداية تعرف كيف سيقف الجدار حين ينتهي العمال.

في الممر، أضأتُ هاتفي ووجدتُ رسالة من نور: "تم. الشركة باسمك كاملاً اعتباراً من اليوم."

أغلقتُ الهاتف. ومشيتُ. بخطوات لم تتسارع ولم تتعثّر.. خطوات من كانت تعرف دائماً إلى أين تمشي، وكانت تنتظر فقط أن تصل.

وفي المصعد، حين انغلق الباب وبقيتُ وحدي مع انعكاسي في المرآة المعدنية الباردة.. لم أبتسم انتصاراً. فقط نظرتُ إلى تلك التي في المرآة، وقلتُ لها بصمت:

"كنتِ تستحقين هذا من البداية."



https://t.me/lamsatkalam


بقلم روح الحياة 

© جميع الحقوق محفوظة 2026



تعليقات

‏قال غير معرف…
الله الله .. سلمت أناملك إذ صاغت حروف الجمال
وسموت في علياء حرفك كلما
تاقت إليك حروفك الشماء

قد صغت من نبضها إضمامة
تحكي بفوح عبيرها الأرجاء
‏قال غير معرف…
الله الله الله الله ما هذا الذي قرأته الان.. أقسم أنني لم أقرأ نصاً… بل شاهدت هيبة تكتب..
أي سرد هذا الذي يجعل القارئ واقفاَ بين الذهول والإعجاب منذ السطر الأول حتى النهاية؟ لغة مترفة، وثقة مرعبة، وجمال هادئ يعرف تمامًا أين يضع ضربته..
كل جملة كانت مشغولة بعناية، كأنها قطعة أدبية مصقولة لا تحتمل النقص، وكل انتقال في النص يحمل ذلك الذكاء البارد الذي يجعل القارئ مخطوفاً دون أن يشعر..

حقاً.. كان النص يضرب بهدوء مخيف.. كأن الكاتبة لا تكتب بل تنتقم بأناقة..

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

انثى لا ترفع الراية البيضاء

صهيل في قلبي 💕 وكتاب ولد من حلم

صباح يشبه النور حين يخجل