الجسر الذي رفعتُه

 لستُ من هدم الجسور انتقامًا، بل من رفعها لأني اكتشفتُ أخيرًا أن قلبي ليس محطةً تُقصد لتُختبر فيها الأقدار، بل مملكةٌ لا يدخلها إلا من يستحق أن يرى كنوزها. رفعتُ الجسر، وشعرتُ للمرة الأولى أن الهواء الذي أتنفسه أصبح لي وحدي، لا يُشاركني إياه أحدٌ استهان يومًا بدقات هذا القلب.

كنتُ أظن أن الوقوف وحدي على الضفة الأخرى نهايةٌ، فإذا به بداية لم أعشها من قبل. فمن هناك، حيث لا يصلني صوت من رحلوا ولا ظل من جرحوا، بدأتُ أسمع صوتي أنا، صافيًا كأول مطر، قويًا كجذعِ شجرةٍ عصفت بها الرياح فازدادت تجذّرًا لا اقتلاعًا. اكتشفتُ أن الحياة التي ظننتها انتهت عند ذلك الجسر، كانت في الحقيقة تنتظرني هنا، على هذا الطرف بالذات، لتبدأ من جديد بكامل ألقها.

لم أعد أخاف أن أقف وحدي، لأن الوحدة حين تُختار لا تُشبه الوحدة حين تُفرض، هذه تُشبه الحرية وتلك تُشبه القيد. أشعر اليوم بحيوية لم أعرفها من قبل، كأن كل خلية فيّ استفاقت من سباتٍ طويل، وكأن الدم في عروقي بدأ يتدفق أخيرًا نحو حياةٍ تستحق أن تُعاش لا أن تُنتظر.

فليقف من شاء على الضفة القديمة يمدّ يده نحو جسرٍ لن يعود، أما أنا فسأمضي إلى الأمام، حيث الأفق مفتوح، والقلب خفيف، والروح تنبض بحياةٍ جديدة لم تعرف الخوف بعد. فالحياة الحقيقية لا تبدأ إلا حين نجرؤ على رفع الجسور التي كانت تُبقينا أسرى الماضي




https://linktr.ee/roh_alhayat_official

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لم أبك

انثى لا ترفع الراية البيضاء

صباح يشبه النور حين يخجل